عن ترجمة "الرهينة" إلى الانجليزية

د. عبد الوهاب المقالح

 

تُرى ما الذي يبحث عنه القارئ في رواية مترجمة؟ ما الذي يدفع القارئ العربي -مثلاً- لأن يشتري رواية مترجمة لكاتب ياباني أو أمريكي جنوبي أو جنوب أفريقي... الخ؟ هل شهرة كاتب الرواية هي ما يحركه لشرائها؟ وكيف اكتسب ذلك الكاتب شهرته في المقام الأول؟ هل هو أسلوبه الرائع في الكتابة؟ تجربته الحياتية الثرية التي يبثها في عمله الأدبي؟ لغته الرفيعة؟ ذلك القدر من المعلومات عن بلده وأهل بلده؟...

أسئلة كثيرة يمكن أن تتقافز في الذهن إذا ما فكر المرء في توقعات قراء الرواية المترجمة. وحين قرأت رواية الكاتب اليمني الشاب وجدي الأهدل "بلاد بلا سماء"، شعرت وأنا أقرؤها بالحماس لترجمتها إلى اللغة الانجليزية، على إحجامي عن الترجمة من اللغة الأم إلى لغة أخرى، ليس فقط لعدم كفاءتي في ذلك، بل أيضا لما أعرفه من مصاعب هذه الترجمة وإحراجاتها ومتطلباتها... الخ.

فما الذي أثار حماسي للتفكير في ترجمتها؟

لقد شعرت أن تلك الرواية تتمتع بقدر كبير مما يبحث عنه القارئ الأجنبي في رواية مترجمة، يمنية في هذه الحالة؛ ألا وهو امتلاء الرواية بالمعلومات عن البلد، الإمتاع والتشويق، التجربة الإنسانية التي يمكن أن تشكل للقارئ إضافة معرفية ووجدانية وحتى لغوية وأسلوبية.

في رواية "الرهينة" للمرحوم زيد مطيع دماج، توفرت كل هذه الشروط وغيرها. إن الخصوصية المحلية الكثيفة في الرواية، والمتمثلة أولاً في الحدث المحوري: أخذ طفل من حضن أمه وأهله وقريته "رهينةً" في قلعة الحاكم، لضمان ولاء أبيه وعشيرته وقبيلته لذلك الحاكم/الإمام؛ هذا الحدث لم يخترعه المرحوم (زيد) لغرض إدهاش القارئ المحلي أو الأجنبي، كما يعمد بعض الكتاب المعاصرين إلى فعله. ثم إن حياة هذا الصغير (الرهينة) في السجن، وفي القصر، تثير من أشواق القارئ ما تثير. وثانياً: إن أسلوب "زيد" في رأيي، سهل، بسيط، وعفوي، يقترب أحيانا من التسجيل الفوتوغرافي. لكن هذه الخاصية في هذه الرواية، هي ما يصنع سحرها وجاذبيتها وجمالها. فالكاتب لا يتكلف ولا يزخرف، ولا يستهويه اللعب اللغوي والفبركات الأسلوبية. إنه يجعل الرهينة يحيا في هذا الوسط بكل ما فيه، فحسب، وفي هذا وحده من تحفيز للقارئ المحلي والأجنبي على السواء ما فيه.

ثالثا وأخيراً: تقدم الرواية في هذا السياق للقارئ، من المعلومات كمَّا هائلاً عن جغرافية اليمن ونظامه السياسي وعاداته وتقاليده وحياته... الخ، ما لا تقدمه الكتب التاريخية والبحوث الأكاديمية. والرواية إذ تقدم هذه المعلومات تقدمها بأسلوب شيق وغير مباشر، فيجد القارئ بعد فراغه من قراءة الرواية أنه صار يعرف عن اليمن في حقبةٍ ما الكثير الكثير على غير توقع.

كانت هذه الأسباب وغيرها هي ما شجع مترجمي رواية "الرهينة" إلى اللغة الانجليزية، بل مترجميها إلى اللغات الأخرى، فرنسية كانت أم هندية أم ألمانية أم غيرها. فالرواية، كما ورد في مقدمة الترجمة بقلم سلمى الجيوسي، تتعامل مع وحشية الاستغلال حيث تبدو حياة الانسان كليّاً في يد الآخرين. لكن الرواية -مع ذلك- رواية عن الحرية والخلاص الفردي؛ إذ تظهر كيف أن امتلاك بصيرة واضحة وقرار قوي يعكس التشبث الفطري بالفضيلة والكرامة. فالرهينة هنا –كما تقول سلمى-: لا يستطيع تحدي المسؤولين وطاقمهم الحديدي، فتكون النتيجة هي فعل التمرد. إن البطولة المباشرة مخنوقة، فالرهينة لا يتعامل مع أفعال الشجاعة العظيمة، لأن ما هو مطلوب في حالته تلك هو الاحتمال والمثابرة والإصرار على الاحتماء بدرع يحميه ضد ضياع وفقدان حرية الروح الداخلية.

العزل عن الأسرة وعادات الريف المألوفة تدفع الرهينة إلى أن يلوذ بمصادره المتاحة، وهي جسده وقلبه ويقظة وعيه الجنسي المبكر، في بيئة متحكِّمة وغير طبيعية ومناقضة لخبرات الحياة في مجتمع حر.

إن رواية "الرهينة" (والكلام لسلمى الجيوسي) رواية تتحدث بطريقة ممتازة عن اليمن، وما يتمتع به من خصوصية الشخصية اليمنية النبيلة. إنها خصوصية لم تفلح قرون القمع في المساس بها، إذ تشبثت بتراث شجاعة التحمل، وقدسية الشرف، والضيافة القلبية المنفتحة التي ميزت العربي عبر العصور. بطل الرواية الصغير يجاهد وحده ضد القدر القاسي الذي رماه إلى أسر جلاديه، وليس له سوى قلبه الحر وعناده الفطري. ثورة الفتى ضد الوحشية وتمرده على الاستغلال تقنع العالم بأفصح لسان بعدالة قضيته.

والرواية -حسب سلمى الجيوسي- استطاعت كما لم تستطع أي رواية أن تجسد مأساوية خبرات الماضي، وذلك هو سر الرواية: قدرتها القوية على استعادة خبرة الحياة الإنسانية في أدق تفاصيلها، وبعث التأريخ بقوة وكثافة من عالم النسيان. ثم إن نهايتها المفتوحة توحي وتستبق التغيرات القادمة من دون تحديد. إن هروب الفتى من المقبرة بعد دفن صديقه، بعيداً عن المكان الذي سلبه براءته، بعيداً عن المرأة الشابة التي يعزها كثيراً ويعاف ثقافتها الارستقراطية، هروبه نحو المستقبل المفتوح الواعد بالحرية، كل هذا يبين استحالة إنهاء الرواية بخلاصة محددة. ومع ذلك فإنها تنغلق على مغزى رمزي رفيع، وإشارة درامية سامية. فبعد الدفن انفتح عالم الحرية أمام الرهينة الهارب، ومن خلال الحزن الجاثم على المقبرة تولَّد أمل جديد.

هذه النهاية المفتوحة أنقذت الرواية من الأيديولوجيا الفجة. وتلك هي نقاطها القوية. القمع والظلم والمعاناة تتحول إلى خبرة شخصية، ومعرفة ذاتية بأبعادها، استطاع البطل أن يخبَرها وحده.

هكذا قرأت سلمى الجيوسي، كاتبة المقدمة، رواية "الرهينة". ومن خلال هذا العرض الموجز، يمكننا استنتاج أن الرواية ذاتها تطرح ضرورات ترجمتها إلى لغات أخرى. إن أسباب ترجمتها تنبع من قيمتها الفنية والإنسانية والمعرفية، لا من خارجها كما يحدث مع روايات كثيرة أخرى حيث يعمد كتابها إلى الإثارة والتشويق من خلال ما يسمونه تحدِّي الممنوعات (السياسة، والدين، والجنس أو عالم الحريم)، فيقدِّمون روايات هابطة فنيّاً ولكنها قد تنجح في إثارة زوابع إعلامية لبعض الوقت، وربما بعض المكاسب التجارية المحدودة.

على أي حال، لا أحسب أن ترجمة رواية "الرهينة" إلى الانجليزية أو إلى أي لغة أخرى قد كان -أو سيكون- سهلاً ميسوراً. إن خصوصية المرحلة التاريخية التي تتحدث عنها الرواية، بما فيها من تصوير حياة الناس المعيشية وعاداتهم وتقاليدهم في الملبس والمأكل والتعامل، واللغة المستخدمة بتعبيراتها المحلية ومفرداتها، كل ذلك يخلق متاعب لا تحصى في الترجمة. وفي اعتقادي أن المترجم أو المترجمة مهما فعلا، ومهما حاولا أن يكونا مخلصين أمينين في ترجمة هذه الرواية فإنهما لن يفلحا في نقل خصوصيتها كاملة.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، كما يقولون، ماذا عسى المترجم أن يفعله عند ترجمة مفردات من مثل: "جمنة"، "مداعة منيبر"، و"بورزان"، و"البندق البشلي"، "الزامل" و"العكَْفة"، و"السواري"...؟ كثير من هذه الكلمات، وغيرها، شرحت في هوامش الرواية باللغة العربية في محاولة تقريبها إلى القارئ اليمني المعاصر، قبل القارئ العربي. وكذلك فعل المترجمان أو حاولا أن يفعلا مع بعض الألفاظ والمسميات. لكن المشكلات في أحيان كثيرة ما كانت لتحل، لأن كلمة "جمنة" -مثلاً- مرتبطة بمناخ معيشي متكامل يرتبط بنمط حياة الناس في زمن معين ومكان معين، متعلق بتصميم البناء وطريقة الملبس... الخ، بحيث يصعب إيجاد مقابل للفظة. وترجمة "جمنة" بـ(Coffee pot) (وعاء القهوة) هي ترجمة تقريبية لا تبين شكل هذا الوعاء ومتعلقاته: مقدِّم الجمنة مثلا، رائحة القهوة، الموقد، طبيعة وشكل وأثاث المجلس... وأعتقد أن هذا هو ما يجعل تقديم "الجمنة" في بعض الفنادق ووضعها على الطاولة مشهداً مضحكاً ومتكلفاً وغير طبيعي، على الرغم من كونه يتم في سياق محلي. وقس على ذلك ترجمة الكثير مما اشتملت عليه الرواية. فهل اسم المغني "القعطبي" الذي صار في الترجمة "الكُتابي"، واسم المغني "العنتري" الذي صار "الأوتري"، يمكن أن ينقلا للقارئ الانجليزي نمط غناء المغنيين وطريقتيهما، وطبيعة صوتيهما، كما يفترض أنهما فعلا بالنسبة إلى قارئ الرواية اليمني في مرحلة تأريخية معينة؟ لا أظن ذلك.

وهل ترجمة سؤال أحد العساكر للرهينة في الرواية: "أين الحالي؟" بـ (Where is the handsome, duwaydar?) (أين الوسيم، الدويدار؟) قد نقل ما تحمله "أين الحالي؟" يلفظها عسكري نظامي، متهكماً غامزاً لامزاً، وحتى متشهياً؟

وهل ترجمة "الضيف في حكم المضيف" بـ(It is for the host to decide where the guest goes.) (إنه المضيف الذي يقرر أين يذهب الضيف أو: إنه المضيف من يقرر ما يفعله الضيف).

صحيح أن المترجمين قد عمدا إلى متخصص في تاريخ اليمن ليكتب مقدمة أو خلفية تأريخية للترجمة، كما لجآ إلى الدكتور عبد العزيز المقالح ليكتب مقدمة أو خلفية أدبية عن المؤلف وأدبه؛ كل ذلك -في اعتقادي- كان محاولة لإعطاء القارئ الأجنبي المعرفة الضرورية عن سياق الرواية ومناخها. تُرى إلى أي حد أفلحت محاولات المترجمين في محاولات نقل تلك الجزئيات العصية على الترجمة؟ يوجد الكثير في هذه الترجمة مما يمكن تفهمه وتقديره من محاولات المترجمين، ومعرفة الصعوبات التي قد تحول دون فهمه، ومن ثمّ دون ترجمته.

غير أن ما لا يمكن قبوله في الترجمة وما لا يجب أن يحدث هو الخطأ الفاضح الذي لا يغيِّر المعنى الأصلي فقط، بل يعطي صورة غير صحيحة، وحتى انطباعاً سيئاً عن الكاتب، أو الرواية وزمنها وتأريخها ومجتمعها.

من ذلك ما حدث في ترجمة هذا الجزء من صفحتي 21-22 وهو الحوار التالي:

-      عانس؟

-      نعم.

-      ولكن...           (و"لكن" هنا تعني: لقد فعلت كذا وكذا معها).

-       ولكن.. لها طرقها الخاصة..

-       لم أفهم!

-      تحفظ الأيام القمرية بدقة!

لقد ترجم هذا الجزء هكذا:

-         Unmarried?

-         Yes.

-         But...

-         But what? She has her own ways of dealing with that, I can tell you!

-         I don’t understant.

-         She knows all there is to know about the human mouth!

السطر في الأصل يتحدث عن معرفة المرأة، الدقيقة، بالجدول الزمني لفترة الخصوبة عند المرأة، وقد أشار إلى ذلك بوضوح بالأيام القمرية، وهو ما يتفق مع ثقافة الفترة التأريخية لزمن الرواية. أما الترجمة فقد تحدثت عن معرفة المرأة بـ(the human mouth) (فم الإنسان) وهذه ليست ترجمة غير أمينة وغير مخلصة فحسب، بل هي ترجمة مشوهة، ولا تتفق مع ثقافة تلك الفترة، ولا يمكن أن يقول "زيد" ذلك، وإلا لقاله لو أراد قوله.

وحتى لو حاولنا أن نلتمس عذراً للمترجمين، كقولنا إنهما أرادا إيجاد مقابل للمعنى المقصود يفهمه القارئ الانجليزي، فهذا ليس صحيحاً. وقد حاولنا –حتى- أن نظن أن خطأ مطبعياً قد حدث، فكانت كلمة mouth (فم) بدلاً من كلمة month، (شهر) لكنا وجدنا إلى جانبها كلمة the human (الإنساني)، وعليه لا يمكن أن يكون خطأ مطبعيا، لاستحالة الحديث عن الشهر البشري أو الشهر الإنساني.

وأذكر أن خطأ من هذا النوع قد حدث حين ترجم مترجم ألماني قصيدة للدكتور عبد العزيز المقالح، فترجم كلمة "غانية" تقريباً، بكلمة (...) وهذا ما لا يمكن أن يصح، لأن تلك المفردة التي ترجمت إلى الألمانية ليست من ضمن المفردات ولا من المعجم الذي تشتمل عليها قصائده.

مهما يكن، ورغم كل الصعوبات والإشكالات التي يمكن أن تحدث في نصٍّ أدبي، إلا أننا على خلاف الرأي القائل إن الشعر أو الفن هو ما يفقد في الترجمة، نعتقد بقوة بالرأي القائل إن الشعر أو الإبداع هو ما يبقى في الترجمة. وهذا هو ما نظن أنه قد حدث في ترجمة رواية "الرهينة"، مع أننا لسنا من يقيِّم الترجمة في لغتها الأجنبية، فضلاً عن أن هذه الورقة لا تهدف أصلاً إلى تقييم الترجمة.

 

 


Back to Home Page