المدفع الأصفر  

 

ما زال يرتدي حُلتَّه العسكرية الرثَّة... وعلى رأسه طربوشه الأحمر بزره الأسود المتدلي خلف رأسه أو على يمينه بحسب وضع الطربوش. ورغم أن الشمس كانت قد أكلت من الطربوش لونه فأصبح باهتاً، إلا أنه ما زال مهيباً. كان متوسط القامة... قوي البنية... ارتسمت تجاعيد قليلة على وجهه الأحمر الذي جعلته حرارة الشمس وقسوة البرد يميلُ إلى السمرة... ذو شارب عسلي اللون كثّ في وسطه، ومبروم من أطرافه إلى أعلى ليعطيه مهابة زائدة... وبحاجبين كثّين وعينين تبرقان كعيني صقر... لونهما أزرق مشوب بخضرة داكنة...

كان متكئاً بيديه على ماسورة مدفعة الأصفر العملاق... مستغرقاً ومهموماً بأسئلة تدور في ذهنه لا يستطيع الإجابة عليها...

ماذا حدث؟ كيف اختفى زملاؤه من جنود و"طبشية" وضباط الحصن المنيع المطل على المدينة وضواحيها...؟!

* * *

عاد مرة أخرى واتكأ بيديه على ماسورة مدفعه الأصفر العملاق... يتساءل بحيرة لوقت طويل عن كيفية اختفائهم..!

حدّث نفسه بأنهم ربما قد غادروا الحصن ذات يوم! ربما حدث ذلك... لكن كيف؟... ولماذا...؟ وحدث نفسه مرة أخرى؛ لكنه تعجب واستغرب، ولم يصدق أن زملاءه وأصدقاءه من جنود و"طبشيه" وضباط سيغادرون الحصن ويتركونه وحيداً...!!

هل كان في كهفه الصغيرة الذي يهرب فيه منهم..؟ وأعاد تساؤله بحيرة، لماذا غادروا الحصن فجأة؟! ما الذي حدث وما هو السبب؟ هل انتهت الحرب...؟!

قال لنفسه: لا يمكن لأي قوة أن تقتحم الحصن أو أن تستطيع كسر أبوابه المنيعة المصنوعة من الخشب والنحاس والحديد...

خاصة مع وجود عدد من أبراج الحراسة عند كل بوابة... لا يمكن أن يحدث ذلك مطلقاً... حدث نفسه بصوت مرتفع: ليس هنالك أي أثر لمعركة حدثت... وإن حدثت لابد وأنه قد سمع دويها...!!

ترك مدفعة الأصفر العملاق وأخذ بيده بندقيته "الموزر" نازلاً تتلمس أقدامه الدرجات المصلولة[1] بالحجارة الملتوية نحو الابواب العديدة للحصن... واندهش مبهوراً حين وجد كل الأبواب غير مغلقة من الداخل...!!

سحب بيديه البوابة الكبيرة العملاقة التي كانت مواربة ومطلة على المدينة... وأختلس النظر بحذر شديد إليها... جال بنظره... وتوقف قليلاً عسى أن يسمع صوتاً ربما يقوده إلى اللغز الذي حيره، لكنه لم يسمع سوى أصوات الديكة وعواء الكلاب ونهيق الحمير العائدة إلى المدينة... أسرع بقفل جميع الأبواب وصعد متجهاً صوب مدفعه الأصفر العملاق... يحوم ويحوم حوله...

انتفض فجأة كأرنب مفزوع... وعلت وجهه ملامح جادة... وهرع يجوب كل مكان ويتوقف عند كل مبنى ومنشأة للحصن ومخابئه السرية.

* * *

الحصن لم يكن صغيراً بمنشآته الكثيرة التي تحتل قمة ذلك السفح العالي جداً، والمنيع أيضاً، والمكون من كتلة عملاقة من الصخر الأصم مرتفعة مهولة على المدينة وعلى قمم كل الجبال المحيطة بها وفوق السحب والضباب والنسور العملاقة المعمرة...

يحيط بكل مباني ومنشآت الحصن سورٌ متوسط الارتفاع ثم بناؤه منذ القدم وجُدّد عدة مرات، ليس خوفاً من تسلق الأعداء إليه، فذلك أمر يُعد في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً، ولكن خوفاً على حاويته من جند وطبشيه وضباط وبغال من السقوط في الهاوية...!

كانت حجارة بعض المباني والبرك والكهوف المنحوتة بدقة، والمخصصة للخيول والبغال، تدلُّ على أنها من عصور الحضارات القديمة، حيث يوجد حجرٌ عظيمٌ مُلقى على حافة البركة الكبيرة عليه بعض كتابات باهتة بخط المسند الحميري القديم... كما توجد مجموعة من "المدافن" المنحوتة في الصخر لتخزين جميع المواد الغذائية من الذرة والحنطة والشعير بكميات كبيرة.. من المؤكد أن الحصن قد جُدّد ورُمّم في عهد الملكة "أروى" الصُّليحية إبّان حكمها، حيث أنشأت فيه مسجداً مقضّضاً مع برِكة ليتوضأ فيها المصلون... وربما جُدّد مؤخراً في عهد الاحتلال العثماني الذي استمر عدة قرون!؟

* * *

بحثَ في مخازن المؤن الغذائية عن أي شيء يقتات منه، فقد غلبه الجوع، لكنه لم يجد أي مؤونة غذائية، فقد أخذها زملاؤه ولم يُبقوا إلا التالف منها...!!

فتشَّ "القاووش" عسى أن يعثر على فراشه وملابسه المعلقة... كان الأوغاد، على حد تعبيره، قد أخذوا كل شيء ولم يبقوا سوى الرث منها... جمع ما هو صالح منها وأخذها إلى داخل المسجد الصغير الذي سيكون أدفأ مكان لنومه وإقامته، ولم يفكر في مخبئة السري... بحثَ في مخزن الذخيرة والأسلحة، الذي لم يكن مغلقاً أيضاً من الخارج، فلم يجد شيئاً سوى عدد من القذائف الثقيلة الخاصة بمدفعه الأصفر العملاق... قال لنفسه: لقد أخذ الأوغاد، الأنذال... الحقراء... كل ما خفَّ حمله وغلى ثمنه...!!

نقلَ قذائف مدفعه الأصفر العملاق واحدة إثر الأخرى إلى مرآبه المطل على المدينة وضواحيها... أسند ظهره على مدفعه من الإعياء واضعاً طربوشه على ماسورته العملاقة، وهرش بيده شعر رأسه وذهب في تفكير عميق وجاد... فكَّرَ أنه من المستحيل أن ينزل إلى المدينة للتسوق وأخذ ما يحتاج من مؤن غذائية... كان خائفاً... ومفلساً أيضاً... هرش رأسه مرة أخرى... وفجأة هرع إلى هاوية أخرى من سور الحصن مطلة على المدينة، وكم كان سروره حين وجد السلة وحبالها موجودة في مكانها..!

ضحك منتشياً وقال لنفسه: لم يأخذها الأوغاد الجبناء معهم لعدم حاجتهم إليها..!

كان سعيداً بذلك... وعاد مسرعاً إلى مدفعه الأصفر العملاق ولبس طربوشه الأحمر... وبدأ بتلقيم إحدى القذائف داخل جوف مدفعه وصوب نحو سماء المدينة...

* * *

لعلَعت قذيفة المدفع فوق سماء المدينة محدثة دوياً هائلاً هزَّ معظم بيوتها... وخرج سكانها جميعاً فزعين... واتجهت انظارهم إلى قمة الحصن... كل واحد منهم يتساءل عما حدث...! وسأل بعضهم البعض الآخر:

-         ألم تنته الحرب...؟ ألم تنته منذ زمن...؟!

-         وتم انسحاب الحامية... أليس كذلك...!؟

-         واستقرت الأوضاع... حصل ذلك أم أنه لم يحصل...؟

وفجأة شاهدوا سلة كبيرة تهبط بواسطة حبال مضفورة من الجلد المتين رويداً رويداً حتى استقرت على الأرض... لم يفهموا الغرض من ذلك واستمروا في حوار وجدل طويل عما حدث في هذا اليوم العجيب... ودوى صوت قذيفة أخرى كانت أشد وأقوى من سابقتها لانخفاضها الشديد فوق منازل المدينة. ارتبك الجميع بوجل، والسلة الكبيرة بحبالها العملاقة مازالت رابضة في موقعها... مكثوا في أماكنهم محتارين لكن عجوزاً معمرة من سكان المدينة صاحت بهم أن يملأوا السلة بمؤن غذائية متنوعة وبأسرع وقت ممكن. أسرعوا فعلاً، وتم ملء السلة بتلك المواد الغذائية، وارتفعت السلة بسرعة إلى قمة الحصن وهم يشاهدونها. تنفس سكان المدينة الصعداء لكنهم فوجئوا بتدلي السلة هابطة مرة أخرى... وبسرعة أتجهوا إلى كوخ العجوز وأخرجوها منه لتفتيهم فقالت: إملاؤها حطباً...!!

أصبحت العجوز المعمرة تعويذتهم الوحيدة لذلك كانوا يتواجدون عندها معظم الأوقات، يستأنسون بها ويستمعون لذكرياتها عن الماضي وما مرت به هذه المدينة من مآسٍ، ويسألونها أيضاً عن المدفع والسلة.

-         الجوع لا يمكن أن يُقاس بأي حاجة أخرى...!

قالت لهم ذلك وأردفت:

-         لذلك عليكم ملء السلة بمؤن غذائية وبعض حُزم الحطب عندما تهبط من الحصن.

* * *

شعر بأن خطته قد نجحت وأدت ثمارها... وذهب عنه الهلع والخوف من الموت جوعاً... ارتمى على ظهره داخل المسجد الصغير متدثراً بما تبقى من فراش وأغطية، ووضع يديه خلف رأسه مستنداً إلى جدار المسجد، وضوء القمر ينفذ من خلال نوافذه الصغيرة... وتذكر عندما كان يحين دوره وزميله للنزول من الحصن للتسوق في المدينة وشراء حاجيات الحامية المقيمة في الحصن... كانا يحملان جميع ما يشتريانه... وكان الحمل ثقيلاً عليهما... لكن قبل وصولهما إلى بوابة الحصن الرئيسة تكون هناك سلة كبيرة الحجم مصنوعة من الخيزران وقصب "الحلّال" وسعف النخيل قد تدلت من قمة الحصن بواسطة حبل طويل مضفور من الجلد المدبوغ بإتقان... وتُسحب السلة بواسطة عجلة إلى أعلى لتسهل للجند رفعها بسهولة... ويعود مع زميله إلى سوق المدينة مرة أخرى لشراء بعض المؤن والأغراض الأخرى التي لم يستطيعا حملها مع المؤن السابقة، وأهمها حُزم الحطب الثقيلة، بعد أن نفق البغل الخاص بحملها، ونفق معه الجندي المكلف به أيضاً.

* * *

لعلَعت قذيفة المدفع فوق سماء المدينة محدثةً دوياً هائلاً كعادتها فخرج سكانها فزعين كعادتهم في اتجاه السلة التي كانت قد تدلت من أعلى الحصن لملئها بالمؤن الغذائية... وانتظروا أن تتدلى السلة مرة أخرى بعد قذيفة أخرى، لكن ذلك لم يحدث ولم تُطلق أية قذيفة. ذهب بعضهم إلى المرأة العجوز التي كانت جالسة أمام كوخها يستفتونها، فأخبرتهم بأن ذلك يعني عدم الحاجة للحطب... فانصرفوا إلى منازلهم مرتاحي البال...

* * *

أصبح هو أيضاً مرتاح البال... منعماً بالغذاء الوافر الذي لا يشاركه فيه أحد... أصبحت لخيالاته وأفكاره مساحة شاسعة جداً لا يقطعها زملاؤه بمزاحهم الثقيل، ومنادماتهم الساذجة المبتذلة، التي كانت تدفعه للهروب منهم أياماً بلياليها إلى مخبئة السري المجهول في كهف صغير خلف الحصن من الجانب الآخر الذي لم يكتشفه أحد سواه لوعورة الطريق المؤدية إليه، والتي كانت بالكاد تسمح بوضع القدم، وكان على الشخص الذي يجتازها أن لا ينظر إلى الهاوية السحيقة، وأن يسير ببطء متجهاً بوجهه ويديه نحو الصخر... هرع مسرعاً باتجاه الجانب الخلفي للحصن واجتاز طريقه الخطر بحكم تعوده على ذلك...

لم يشعر بالارتياح كعادته كما في السابق... بل شعر بالضيق والملل، وأسرع عائداً عبر الطريق الوعرة. كاد أن يسقط لعجلته عندما مرَّ على هذا الجانب الخلفي المهجور من الحصن... وتوقف أمام سبعة أضرحة منحوتة من الحجارة كانت بجوار بعضها البعض، متراصة وقد نُحتت شواهدها من الأحجار على هيئة طرابيش بأزرارها السوداء... استند بظهره على مدفعه الأصفر، ووضع يديه خلف رأسه يتذكر زملاءه الذين ماتوا ودُفنوا هنا... كان هو الوحيد الذي نجى منهم حين قاموا جميعاً بمساعدة البغلين للصعود بالمدفع الأصفر من مدخل الحصن إلى قمته...

كان المدفع يتراجع إلى الوراء لعدم استطاعة البغال جره وعدم استطاعة "الطبشية" الثمانية أيضاً إيقاف تراجعه... كانت عجلات المدفع الثقيلة، في كل مرة تتراجع فيها، تسحق شخصاً أو شخصين من "الطبشية" الثمانية. تذكر أنه الوحيد الذي بقي على قيد الحياة حين أوصل المدفع الأصفر العملاق إلى مكانه، وأن أحد البغال كان قد نفق فرمى به من قمة الحصن إلى الهاوية السحيقة...

وترقرقت في مقلتيه دموعٌ آسنة ساحت على وجنتيه واستقرت على شاربه الكث... وأجهش بالبكاء... وأنطلق مسرعاً نحو مدفعه الأصفر العملاق يخبط ماسورته بعنف... شعرَ بأنه في سجنٍ واسع... لكنه ضيقٌ جداً... مُطبقٌ على أنفاسه كسجنٍ انفرادي... كم تمنى أن يكون زملاؤه من جند وطبشية وضباط موجودين معه الآن، رغم مساوئهم الحقيرة وهروبه منهم إلى مخبئة السري! وبحركة سريعة لقَّمَ المدفع قذيفة وأتبعها بأخرى وبثالثة ورابعة...

 

* * *

خرج سكان المدينة في حالة فزع مهول بعد أن اهتزت بيوتهم الآيلة للسقوط... وتفرقوا مسرعين لجمع المؤن الغذائية وحُزَم الحطب... لكن السلة لم تهبط مطلقاً... ومكثوا أياماً منتظرين هبوط السلة ليملؤوها بالمؤن الغذائية التي كانوا قد استعدوا بها، لكنها لم تهبط..!

أتجهوا نحو المرأة العجوز فوجدوها أمام كوخها كعادتها... طلبوا منها أن تفتيهم... فابتسمت وقالت:

-         أتجهوا نحو بوابة الحصن الكبيرة..!

جالت العجوز بنظراتها الفاحصة وجوه القوم المحيطين بها... لاحظت أنهم كانوا يحاورون بعضهم البعض، وبأن معظمهم قد بدأوا بالتراجع للخلف والعودة إلى منازلهم... وتوقف الجميع حين صاحت فيهم العجوز بصوتها الشاحب الغاضب:

-         يا لكم من جبناء... اتجهوا الآن واقتحموا بوابة الحصن... أفعلوا ذلك الآن..!

كانت قد قامت من فوق مقعدها الحجري، وتحركت نحوهم وبيدها اليمنى عصاها، لكنها تعثرت فوقعت على الأرض وهي تصيح "جبناء... جبناء..."، وحين حاولوا مساعدتها على النهوض نهرتهم بشدة فما كان منهم إلا أن اتجهوا نحو بوابة الحصن وصوتها الشاحب "جبناء... جبناء..." ما يزال يلدغ آذانهم.

توقفوا أمام البوابة الرئيسة المنيعة... كان معظمهم خائفين... وجلين... وظلوا حائرين واقفين على مسافة منها... يتساءلون كيف يستطيعون اقتحامها. قال أحدهم بصوت مسموع مخاطباً الآخرين:

-         ما الفائدة من اقتحامها... ما دام المدفع قد توقف منذ أيام ولم تهبط السلة مرة أخرى؟!

-         فلنعد إلى منازلنا...

قال آخر، وصرخ فيه شابان بصوت جهوري:

-         وكيف نقابل العجوز..؟ ماذا نقول لها..؟! أنقول لها بأننا جنباء..؟

واتجها نحو بوابة الحصن فوجداها غير مغلقة من الداخل أو الخارج... وفُتحت بسهولة... واستمرا بالصعود من بوابة لأخرى والقوم وراءهما حتى استقر الجميع في ساحة الحصن الفسيحة... استعادوا أنفاسهم اللاهثة لفترة من الزمن...

كانت معنوياتهم قد تحسنت رغم أن الخوف والهلع من المجهول ما زال ظاهراً على ملامحهم، لكن ثقتهم بالشابين وبالمرأة العجوز كانت قد منحتهم قدراً كبيراً من الطمأنينة... وقف الشابان على حجرٍ مستطيل مرتفع، وصاحا بالجميع أن يتفرقوا في مجموعات لتفتيش الحصن بكل منشآته... الجامع والكهوف وحول السور وحتى المدافن الخاصة بالذرة.

فتشوا كل المنشآت في الحصن فلم يجدوا أحداً... لم يجدوا سوى طربوش أحمر، بزره الأسود وقد أكلت الشمس لونه، كان موضوعاً على ماسورة المدفع الأصفر العملاق.

 

صنعاء: 1994م

 

 



[1] المصلولة = المعبدة بالحجارة.

 



Back to Home Page